رسالة الفصح لصاحب الغبطة البطريرك الراعي وعظته في عيد القيامة 2017

رسالة الفصح لصاحب الغبطة البطريرك الراعي
السبت ١٥ نيسان ٢٠١٧
image

بطريركية انطاكية وسائر المشرق

دحرجة الحجر

الرسالة الراعوية السابعة

لصاحب الغبطة والنيافة

الكردينال مار بشاره بطرس الراعي

بطريرك انطاكية وسائر المشرق

بكركي 2017

مار بشاره بطرس الراعي

بنعمة الله

بطريرك انطاكيه وسائر المشرق

وكردينال الكنيسة الجامعة

إلى السادة المطارنة الأجلاء والرؤساء العامّين والرئيسات العامات

والكهنة والرهبان والراهبات،

وسائر أبناء الكنيسة المارونيّة وبناتها في لبنان والنطاق البطريركي وبلدان الانتشار الأعزاء

"مَن يدحرجُ لنا الحجر عن القبر؟" (مر 16 : 3)

1. عندما جاءت النّسوة : مريم المجدلّية ومريم أمّ يعقوب وسلومي، عند طلوع الشّمس في اليوم الثّالث بعد موت يسوع، وهو الأحد، أي الأوّل من الأسبوع، حاملات الطّيوب لتطييب جثمان يسوع، كان همّهنّ أن أحدًا يدحرج لهنّ الحجر عن باب القبر. ولم يكن بإمكانهنّ تطييب جثمان يسوع ساعة دفنه، يوم الجمعة، بسبب سقوط المغيب وبداية السّبت وفيه عيد الفصح اليهودي ووجوب الإنقطاع عن أي عمل. لذا أتيْن متسائلات : "مَن يدحرج لنا الحجر عن القبر؟ وإذ تطلّعْن رأيْن أنّ الحجر قد دُحرج، وكان كبيرًا جدًا" (مر 16 : 3-4). ولا عجب ! فالحيّ لا يسكن في قبر بين الأموات. فعندما دخلْن القبر متحيّرات، وقف بهنّ رجلان بثياب برّاقة، فارتعبن لشدّة الخوف. فقال لهنّ : "لماذا تطلبْن الحيّ بين الأموات؟ إنّه ليس هنا ! لقد قام !" (لو 24:3-6).

بشرى القيامة

2. أجل ! المسيح قام ! حقًا قام ! هذا هو أساس إيماننا ورجائنا. هذا هو عيدنا، عيد قيامة قلوبنا من موت الخطيئة والحزن واليأس، ومن موت الحقد والبغض والعداوة. إنّه عيد ثمار الفداء والحياة الجديدة. فيسعدني أن أهنّئكم بعيد قيامة المسيح وقيامة قلوبنا، أيّها الحاضرون والسّامعون والمشاهدون، عبر وسائل التواصل الإجتماعي وتقنيّاتها الحديثة.

3. لكم التّهاني القلبيّة مع أطيب التمنيات، يا إخواني السّادة المطارنة، ولجميع أبناء أبرشيّاتكم وبناتها في لبنان والنّطاق البطريركي وبلدان الإنتشار؛ ولكم، يا قدس الرؤساء العامّين والرّئيسات العامّات الّذين تُحيون هذا اللّقاء والصلاة ككلّ سنة، ويا سائر الرهبان والرّاهبات في الأديار والمؤسّسات والرسالات؛ ولكم أيّها الحاملون جراح المسيح في أجسادكم ونفوسكم وأرواحكم، أنتم أيُّها المرضى والمعوَّقون، وأيّها الجائعون والفقراء والمحرومون من حقوقهم الأساسيّة والعيش الكريم.

4. ولكم بشرى القيامة وثمارها المرجوّة، يا ضحايا الحروب الدّائرة في سوريا والعراق وفلسطين واليمن وليبيا وسواها، المطرودون من بيوتكم وأراضيكم والمظلومون والمشرَّدون على طرقات العالم. فأنتم الضحايا البريئة لحروب الكبار الّذين يفرضونها عليكم من أجل مكاسبهم الإقتصاديّة والإستراتيجيّة والسّياسيّة، ومن أجل التّجارة بأسلحتهم، جاعلين من مدنكم الزاهرة ومكتسباتكم الحضارية وأوطانكم المحبوبة وشعبكم الأبيّ حقول تجارب لقدرات أسلحتهم الهدّامة والمتطوّرة، تحت شعارات كاذبة واتّهامات افترائيّة، ووعود برّاقة تتبخّر في سراب الحروب المتجدّدة فصولًا وأنواعًا وأمكنة، مخالفين القوانين الدّوليّة، ومنتهكين شريعة الله النّاهية عن القتل وعن استباحة حياة الإنسان والتعدّي عليها في الجسد والروح والحقوق الأساسيّة، وخانقين صوت الضمير، وهو صوت الله في داخلهم، وجاعلين قلوبهم من حجر.

5. ولكم عزاء المسيح القائم من الموت، أيّها الإخوة الأقباط، ضحايا الاعتداءَين الوحشيَّين والجبانَين عليكم وأنتم تصلّون في أحد الشعانين بحضرة الله، في كنيسة مار جرجس بطنطا، وفي الكنيسة المرقسيّة بالإسكندريّة. ونشكر الله معكم على نجاة رأس كنيستكم وأبيها قداسة البابا تواضروس. إنّنا روحيًّا بقربكم يا مسيحيّي مصر وبقرب أهالي شهداء الإيمان الذين سقطوا من بينكم، متضامنين في ألمكم وصمودكم، ومصلّين، كي يقبل اللهُ قرابينَهم مع قربان ذبيحة ابنه الخلاصيّة، التي أحييناها بالأمس، فتكون لفداء مصر العزيزة وشعبها، ولارتداد الأشرار ومستعمليهم الكبار الأجرم منهم. وإنّنا اجتماعيًّا ووطنيًّا ندين ونرفض هذا الاضطهاد السافر الشبيه بعملية صيد، والمتكرّر بشكل مبرمج، لإخواننا المسيحيّين في مصر، ونطالب المسلمين والدول الإسلاميّة اتّخاذ مواقف جامعة ومبادرات فعليّة لردع هذا الاضطهاد، وحفظ صورة الإسلام الإيجابيّة. فإنّ المسيحيّين موجودون في مصر والبلدان العربيّة منذ ألفَي سنة، وهم فيها مواطنون مخلصون لأوطانهم وشركائهم فيها، وقد أرسوا أسس حضاراتها قبل مجيء الإسلام بستماية سنة. وإنّنا نطالب سياسيًّا الأسرة الدوليّة بكفّ يد الدول التي تغطّي الحركات التكفيريّة والمنظّمات الإرهابيّة وتمدّها بالمال والسلاح، وتوظِّف الإرهاب لمصالحها الرخيصة والمجرمة. وليعلم الجميع أنّ المسيحيّين ليسوا مكسر عصا لأحد، وأنّهم خميرة حضارة وقيم في مجتمعاتهم، وضرورة لها لا غنى عنها من أجل ترقّيها على جميع المستويات.

إدانة شاملة

6. إنّنا جميعًا ندين كلّ أنواع الحروب والاضطهادات والإعتداءات. فلا من مبرّر لها، ولا من منطق يؤيّدها. بل إنّها وصمة عار على جبين الأسرة الدّوليّة، من دول كبرى ودول تابعة لها ولسياساتها، يطبعها انعدام الإرادة الحسنة عندها لوضع حدّ للحروب والاعتداءات الجائرة والهدّامة، ولإيجاد حلول سياسيّة وديبلوماسيّة للنزاعات، ولإرساء الأسس الكفيلة بإحلال سلام عادل وشامل ودائم في منطقتنا المشرقيّة. ولعلّهم يجهلون أنّ على أرضنا أتمّ المسيحُ-الإله فداء الجنس البشري وأضفى على الحياة البشريّة قدسيّتها وكرامتها، وأنّ منها أعلن المسيح للعالم إنجيل السلام. والعار يلحق حكّامَ الدّول، أصحابَ النّفوذ المالي والعسكري، الذين جعلوا من أرضنا المشرقيّة أرض حرب وقتل وتدمير، ومرتعًا للمنظّمات الإرهابيّة والحركات الأصوليّة. لقد أشعلوا نارًا يظنّون أنها تحرق في مكانها، لكنّها امتدّت إليهم وإلى سواهم، ومن المؤسف أن ضحاياها من الأبرياء، فيما هم يتباكون بدموع التماسيح على نتائج ما فعلوا، من دون إزالة أسبابها.

المسيح يدحرج الحجر

7. الكنيسة تتساءل معكم، يا كلّ الّذين تعيشون ظلمة قبور الظّلم والإستبداد، قبور الإنكسار وقتل الآمال، قبور الحروب المفروضة والنّزاعات، قبور الفقر والإفقار، قبور قلوب الحجر واللإنسانيّة والإهمال والإزدراء والإستكبار، أجل معكم تتساءل : "مَن يدحرج لنا الحجر؟"

المسيح القائم من الموت، والذي دحرج الحجر الكبير عن قبره بقيامته، هو يدحرج كلّ حجر في حياتكم الخاصّة والعامّة. بقيامته لم يرجع إلى حياة إنسانيّة اعتياديّة في هذا العالم كما حصل لقيامة فتى نائين (لو7 : 11-17)، وابنة يائيروس (مر 5 : 22-24؛ 35-43)، ولعازر (يو11 : 1-44)، الّذين أقامهم يسوع من الموت، وبعد أن عاودوا حياتهم السّابقة، عادوا فماتوا نهائيًا. أمّا المسيح فقام لحياة جديدة في رحاب الله، دشّن بها بعدًا جديدًا للوجود الإنساني يهمّ كلّ البشر ويفتح أمامهم مستقبلاً جديدًا. قام ليقيم كلّ إنسان من ظلمته وليحيا في كيان كلّ إنسان. بهذا المعنى كتب بولس الرّسول : "لو لم يقم المسيح، لكنتُم بعدُ أمواتًا في خطاياكم... ولكنّه قام من بين الأموات وهو بكر الرّاقدين" (1كور15 : 17 و20).

8. أقول لكم، أيّها الأحبّاء الحاضرون والمشاهدون والسّامعون، أنّ المسيح الحيّ، في قلوبكم وفي إيمانكم هو القوّة الّتي تدحرج الحجر مهما كان كبيرًا. فللرّبّ طريقته ووسائله وزمانه. إنّ هؤلاء الّذين يعتدّون بنفوسهم أنّهم "عظماء الأرض"، بسبب السّلطة وقدراتها الّتي بين أيديهم، حتى ولو استطاعوا أن يهدموا بيوتكم وجنى عمركم وإنجازات حضارتكم، فإنّهم لن يتمكّنوا من هدم إيمانكم وحبّكم لوطنكم والرّجاء الّذي في قلوبكم. ذلك أنّ ثمرة موت المسيح وقيامته هي ثمرة اتّحادنا نحن المتناهين بغير المتناهي، اتّحاد الإنسان الضعيف بالله القوي بحبّه صانع المعجزات، وبرحمته الأقوى من الثَّأر. إنّ جمال محبّته ورحمته هو الذي يخلّص العالم.

نداء إلى الجماعة السياسية

9. إنّ رسالتنا الفصحيّة هذه موجَّهة أيضًا إلى الجماعة السياسيّة عندنا في لبنان، مهنِّئين بالعيد، وراجين أن يعبروا مع "فصح" المسيح إلى نمط حياة جديدة، في حياتهم الخاصّة وحياتهم العامّة، لكي يمكّنوا المواطن اللّبناني من "العبور" إلى حالة وطنيّة واقتصاديّة واجتماعيّة ومعيشيّة أفضل. لكن باب عبورهم هو "الخروج" من أسر ذواتهم وحساباتهم الصغيرة ومصالحهم الضيِّقة، المؤمَّنة على حساب الذات اللبنانيّة والصالح العام للدولة ومؤسّساتها وشعبها.

لا تستطيع الجماعة السياسية عندنا مواصلة تقاسم مقدّرات البلاد والمناصب والمال العام في ما بين مكوِّنات هذه الجماعة، وفقًا لقدرات النافذين فيها، وتعطيل كلّ شيء عند خلافاتهم التقاسميّة، تحت ذريعة قاعدة التوافق، غير آبهين بالأضرار الجسيمة التي تلحق بالمؤسّسات العامّة وبالشعب.

عيد الفصح، الذي يعني العبور، يدعوهم للعبور إلى حقيقة مفهوم الميثاق الوطني، وأبعاد العيش المشترك، وروح الدستور ونصّه؛ وإلى حماية هذه الأركان الوطنيّة الثلاثة التي تميّز لبنان.

ويدعوهم للعبور إلى ممارسة العمل السياسي واستعمال السلطة الشرعيّة، بالشكل الفنّي الجميل، القائم على تنظيم الحياة العامّة في مقتضياتها اليوميّة ومتفرّعاتها؛ وتنظيم الدولة في نشاطها الداخلي، إدارةً وأجهزةً وتخطيطًا وتحقيق مشاريع تنمّي ميادين الاقتصاد والاجتماع والتشريع والثقافة، وفي نشاطها الخارجي بعلاقاتها البنّاءة مع الدول وإبرام الاتفاقيّات العمرانيّة معها؛ وتعزيز محبّة الوطن، بقيمه وتراثه وحضارته ودوره في الأسرتَين العربيّة والدوليّة، في نفوس أبنائه وشبابه، وتحقيق آمالهم وتطلّعاتهم وإزالة هواجسهم، ودرء ما يتهدّدهم من أخطار اليوم وغدًا.

هذه هي تهانينا وتمنياتنا للجميع، مقرونةً بصلواتنا إلى المسيح المنتصر على الخطيئة والشّر والموت، هاتفين :

المسيح قام ! حقًّا قام !

+ الكردينال بشاره بطرس الراعي

بطريرك انطاكية وسائر المشرق

ــــــــــــــــــــــــ

عظة البطريرك الكردينال مار بشاره بطرس الراعي في عيد القيامة
الأحد ١٦ نيسان ٢٠١٧
image

"مَن يدحرجُ لنا الحجرَ عن باب القبر"

(مر16 : 3)

فخامة الرئيس،

1. يسعدُني أن أرحِّبَ بكم وبعقيلتكم اللّبنانيّة الأولى وبأسرتكم، مع صاحب الغبطة والنيافة أبينا البطريرك الكردينال مار نصرالله بطرس، وسيادة السفير البابوي والسَّادة المطارنة، وكلِّ الجماعة الحاضرة من وزراء ونوّاب ورسميِّين مدنيِّين وعسكريِّين، وأنتم تأتون جريًا على عادة رؤساء البلاد لنحتفل معًا بعيد قيامة الربّ يسوع وانتصاره على الخطيئة والشّيطان والشّر والموت، ونتبادل أحرّ التهاني وأخلص التمنيات. إنّها قيامةٌ تشكِّل حدثًا حاسمًا في تاريخ البشر، إذ أوجدت حيِّزًا جديدًا للحياة نكون فيه مع الله. فجسد يسوع القائم من الموت أصبح جسده الكوني، المعروف بالكنيسة السّرّ، الذي يُدخل المؤمنين في شركة حياة مع الله وفي ما بينهم.

2. هذا الحدث الحاسم بدأ مسيرته عندما دُحرِج الحجر الكبير عن قبر يسوع. فكان المسيح الإله نفسه الذي دحرجه في فجر اليوم الثالث لموته في الجسد البشري فيما كانت النِّسوة، الآتيات إلى القبر لتطييب جسده، تتساءلْن في الطريق : "مَن يدحرجُ لنا الحجرَ عن باب القبر؟" وإذ تطلّعْن رأيْن الحجر قد دُحرج، وكان كبيرًا جدًّا" (مر16 : 3-4). ما يعني أنّ المسيح القائم من الموت يدحرج كلَّ حجارة قبور الحياة، إذا لجأنا إليه بإيمان، وقمنا بما على كلّ واحد وواحدة منّا من واجب الحالة التي يوجد فيها، وواجب المسؤوليّة التي تُسند إليه، عملًا بالقول المأثور : "قمْ، فأقومُ معك !" والآخر : "ساعدْ نفسَك، تساعدُك السماء".

إنّ قيامة المسيح هي أساس الرجاء فينا، واليقين أنّه دائمًا عن يميننا فلا نتزعزع، ذلك أنّه بقيامته أفاض روحه القدّوس فينا، والروح ينير بإنجيل المسيح ظلمات حياتنا ومعضلاتها مهما تشعّبت وتراكمت وصعبت.

فخامة الرئيس،

3. أنتُم صاحب المسؤوليّة الأولى والعليا في الدولة اللّبنانيّة والجمهوريّة والأمّة، وقد حلفتُم يمين الإخلاص لهذه الثلاث المصانة من الدستور، وفعلتُم ذلك باسمكم الشخصي وباسم كلّ اللّبنانيّين. وإنّكم تجدون بكلّ أسف مَن يستخفّ بالدولة، ويجهل الجمهورية، ويشكّك بالأمّة، ويعطي ولاءه لغيرها. هي مسؤوليّتكم أملت عليكم اتِّخاذ المبادرة الدستوريّة ليل الأربعاء الماضي، فقرَّرتُم بحكم المادّة 59 من الدستور "تأجيل انعقاد المجلس النيابي لمدّة شهر"، فيما كانت الأمور تتّجه نحو مواجهات في الشارع بين مؤيِّدٍ للتمديد ورافض له. وكانت البلاد كسفينة في عرض البحر تتفاذفها الرياح والأمواج العاصفة، واللبنانيّون يحبسون أنفاسهم خائفين من مغبّة ما يمكن أن يحصل من شرّ عارم في يوم الخميس التالي، وهو عندنا أقدس أيام السنة، واسمُه خميس الأسرار. فكان قرارُكم الحكيم القاطع قرار ربّان مدركٍ ومسؤول، وسكنت الريح، وكان الهدوء العظيم، واستطاع اللبنانيّون أن يُحيوا بفرح الأعياد الفصحيّة.

3. لقد صلَّينا ونصلّي كي تتَّكل الكتل السياسيّة والنيابيّة والحكوميّة على عناية الله وقوّة المسيح القائم، وتدحرج خلال فترة الشهر الحاسمة، الحجر عن "القبر" المحبوس فيه منذ سنوات قانون الانتخابات الجديد المرجو انبعاثه. فدحرجة الحجر تفتح أبواب الفرح والسعادة لجميع المواطنين. أمّا الإمعان في عدم الإفراج عن قانون جديد فيزيد من خيبات الأمل عند الشعب اللبناني، ويشبه "ختم الحجر وإقامة الحرس على قبر يسوع" كما فعل بيلاطس ورؤساء الشعب (راجع متى 27 : 65-66). لكن هؤلاء ظلّوا في مستنقع خزيهم أمام الله والناس، بينما الحجر دُحرج، والمسيح قام، وانتصرت الحقيقة على الكذب، والمحبة على الحقد والأنانيّة.

فخامة الرئيس

4. في خطابي القسم والاستقلال زرعتُم في قلوب اللبنانيّين الأمل بمستقبل أفضل قائم على المبادئ الوطنية غير الطائفية أو المذهبية الكفيلة بحماية السيادة والاستقلال وتعزّز الوحدة الداخلية، أرضًا وشعبًا ومؤسسات. ونقول معكم أنّه يوجد قبور كثيرة عندنا بحاجة إلى دحرجة الحجارة عنها، بدءًا بالفساد الضارب في الأخلاق والسياسة والإدارة والقضاء والأمن. وثقل الحجر يتأتّى من مسؤولين سياسيّين يحمون الفساد لكونه مصدر تمويلهم غير الشرعي. مكافحةُ الفساد والرشوة معركةٌ ضروس ضدّ المفسدين والراشين. ولكن من أسباب الفساد المشجِّعة له الأجور التي هي دون القدرة الشرائيّة والحاجات الحياتيّة، ما يستدعي معالجتها بالنهوض الاقتصادي في كلّ قطاعاته.

لقد تسلّم جيلنا لبنان ذخرًا وحضارة ودورًا ورسالة ومكان راحة وطمأنينة. فلا يمكن أن ندعه عرضةً للفساد، في ضوء قيامة القدّوس من فساد القبر، مستلهمين ما وضع مزمور داود الملك على لسان المسيح الآتي، مناجيًا أباه السماوي : "إنّك لا تترك نفسي في مثوى الاموات، ولا تدع قدّوسك يرى فسادًا" (مز16 : 8-11؛ رسل 2 : 25-27).

5. حجر كبير آخر تجب دحرجته، هو معاناة الناس من الأزمة الاقتصاديّة وضآلة فرص العمل. تعرفون، فخامة الرئيس، أنّ 32 % من الشعب اللبناني هم تحت مستوى الفقر بحسب دراسة البنك الدولي. وقد تفاقمت هذه الحالة بسبب النازحين السوريّين سواء بمنافستهم غير الشرعية في سوق العمل أم باتّساع العمالة غير النظاميّة، أم بخفض مستويات الأجور وأثمان السلع. فارتفعت نسبة البطالة بخاصّة عند الشباب حتى بلغت 31 %. هذا بالإضافة إلى ما يعاني شعبنا من التداعيات الهائلة على الخدمات العامّة في كلّ من قطاع التعليم والصحّة والطاقة والماء والبنى التحتيّة والنفايات.

إنّ موضوع النازحين حجرٌ كبير أيضًا على المستوى الأمني والثقافي والسياسي، فيجب دحرجته بالتعاون مع الأسرة الدوليّة المعنيّة مباشرة بالحرب في سوريا. وفيما نعلن تضامننا الإنساني الكبير مع السوريّين النازحين المنكوبين، فإنّنا نطالب، من أجل استعادة حقوقهم وكرامتهم وثقافتهم وممتلكاتهم، بأن يُصار إلى نقلهم إلى أماكن آمنة على الأراضي السورية التي تفوق تلك اللبنانيّة مساحة بثماني عشرة مرّة، وبأن تُنقل إليهم مباشرة كلّ المساعدات، لتمكينهم من العودة إلى بيوتهم وأملاكهم في الأماكن الخارجة عن نطاق الحرب ولاستصلاحها. وما نقوله عن السوريّين نقوله أيضًا عن النازحين العراقيِّين. وفي كلّ حال يجب على الأسرة الدوليّة أن توقف الحرب في سوريا والعراق، وتوجِد حلولًا سلميّة، وتُرسي أساسات سلام عادل وشامل ودائم، وأن تكون جدّية في مكافحة المنظّمات الإرهابيّة وتعطيل عمليّاتها.

فخامة الرئيس،

6. لقد أثرتُ هذه المواضيع، لأنّ الحجر الذي دُحرج عن قبر المسيح ليس محصورًا في المكان والزمان. ولكنّه أضحى مسؤوليّة مشتركة في كلّ جيل لدحرجة كلّ حجر عن أيّ قبر يأسر في داخله الإنسان، أفردًا كان أم جماعة؛ وأيًّا تكن طبيعة القبر والضحايا التي في داخله. فثمّة ضحايا الخطيئة والشّر، وضحايا الظلم والاستبداد، وضحايا الجوع والفقر والحرمان، وضحايا الكذب والعنف قتلًا وتهجيرًا واعتداءً، وضحايا أقبية التعذيب وسوء المعاملة في السجون، وضحايا المرض والإعاقة والاحتياجات الخاصّة، وضحايا الفساد والرشوة وخسارة حقوقهم، وضحايا الدّعارة والمخدّرات والتحرّش بالصغار والاتجار بالبشر. ولا تنتهي سلسلة القبور.

7. فكم المسؤولون، في الدولة والمجتمع والكنيسة، مدعوّون للذهاب إلى العمق ! وعدم التلهّي أشهرًا وسنوات، في المماحكات والمجادلات وإهمال كلّ هذه الحالات المؤلمة. ففي مقدور ذوي الإرادات الحسنة، وأنتم اليوم على رأسهم يا فخامة الرئيس، دحرجة العديد من حجارة هذه القبور. وعند تحقيق مثل هذه القيامات، نستطيع أن نهتف من القلب لا من الشفاه :

المسيحُ قام ! حقًّا قام !

* * *

(c) Eparchie Notre-Dame du Liban de Paris des Maronites - mis en ligne le 14 janvier 2013 - Mentions Légales