النداء الختامي لقمة بطاركة أنطاكية في دمشق

بدأ غبطة البطريرك الكردينال مار بشارة بطرس الراعي زيارة راعوية وكنسية الى دمشق يرافقه النائب البطريركي العام المطران بولس صياح والقيم البطريركي العام المونسنيور جوزف البواري ومدير مكتب الاعلام والبروتوكول في الصرح البطريركي وليد غياض.
كان في استقبال غبطته في صالون الشرف على الحدود السورية الوكيل البطريركي العام للروم الاورثوذكس المطران أفرام معلولي ممثلا غبطة البطريرك يوحنا العاشر والمطران سمير نصار راعي ابرشية دمشق المارونية وعدد من الكهنة والمؤمنين.
توجه غبطته الى مستشفى مار لويس الفرنسي للراهبات اللعازاريات حيث كانت في استقباله رئيسة المستشفى الاخت لميا تامر اللبنانية مع اعضاء مجلس الادارة والجسم الطبي والراهبات والعاملين فيه، وقد اطلع غبطته منهم على اوضاع المستشفى خصوصًا بعد إصابته بالقصف لمرات عدة، ثم جال على عدد من الجرحى والمرضى رافعا الصلوات على نية شفائهم.
وفي المناسبة القت الاخت تامر كلمة ترحيبية اعتبرت فيها ان زيارة البطريرك الراعي تشجع وتساعد على الصمود والبقاء وعلى متابعة الخدمة والرسالة المسيحية مع كل الناس الى اي دين انتموا. وفي كلمته قال البطريرك الراعي : ًأن الكلمة الأخيرة لن تكون للحرب، بل للسلام، وليس للبغض وأمراء الحروب، بل للحب واستعادة السلام، نحن ككنيسة، نقف ضد الحرب ومع السلام والحلول السلمية"، معتبرا أن "المأساة التي يعيشها السوريون هي نتيجة القلوب المتحجرة والوحشية والحرب العبثية، التي تقتل وتهجر، وكأن الضمير العالمي مات كليا، لأن الدول الكبرى لا يهمها إلا مصالحها الاقتصادية والسياسية". أضاف غبطته : "جذورنا عميقة في المنطقة، ولدينا ثقافتنا وتاريخنا وتعايشنا مع أخوتنا السوريين من مختلف الأديان، ولذلك ليس من الغريب، أننا جئنا إلى سوريا للصلاة من أجل السلام، وإنهاء الحرب، ولكي يستمر المسيحيون والمسلمون في أرضهم". وختم "نعم، إننا نشعر بخوف وهواجس، ولكننا يجب أن نظل صامدين بالمحبة والايمان والرجاء".
من هناك انتقل غبطته والوفد المرافق الى المطرانية المارونية حيث اقيم له استقبال شعبي حاشد وسط اللافتات والهتافات المرحبة بغبطته. وعلى وقع عزف الموسيقى والزغاريد توجه الكردينال الراعي الى كاتدرائية مار انطونيوس حيث ترأس الذبيحة الالهية بحضور غبطة البطريرك يوحنا العاشر بطريرك الروم الاورثوذكس والبطريرك مار أفرام الثاني بطريرك السريان الاورثوذكس وممثلين عن الكنائس الكاثوليكية والاورثوذكسية ولفيف من المطارنة والكهنة والراهبات وحشد من المؤمنين.
بعد الإنجيل المقدس ألقى غبطته عظة تحت عنوان"لا يضطرب قلبكم ... سلامي أعطيكم" وقد جاء فيها : "هذا هو كلام الرب اليوم. اود اولا ان اعرب عن سعادتي الكبيرة، ان اكون هنا، وبخاصة ان البي دعوة اخي صاحب الغبطة يوحنا العاشر، حتى نلتقي غدا بطاركة انطاكيا الخمسة، لنفكر معا، ونوحد جهودنا وكلمتنا وصوتنا وعملنا، ونتضامن مع شعبنا في سورية والعراق، وفي مختلف بلدان الشرق الاوسط التي تعاني، ونحمل معا صليب الفداء، وفينا رجاء كبير ان يوم الجمعة ليس اليوم الاخير. فبعد الموت القيامة".

اضاف "من بين الكلمات بالنسبة لنا، هنا في سورية، سيكون لكم في العالم ضيق، لكن ثقوا انا غلبت العالم. اذا الغلبة هي ليسوع، بالرغم مما يصنع الاشرار وامراء الحروب وممولي الحروب والمرتزقة، الذين وظفوا من اجل الخراب والدمار والقتل"، مؤكدا "هذه موجة عابرة، ونحن مدعوون لكي نصمد".

وتابع الكردينال الراعي : "الكثيرون ضحوا بدمائهم، كثيرون هم الشهداء، لكن دماءهم لن تذهب سدى، كثيرون هجروا، ويتكلمون عن 12 مليون في سورية. هؤلاء الامهم لن تذهب سدى، سيد التاريخ هو الله، لا اسياد هذا العالم، وكل شيء اصبح واضحا. نحن في هذا الشر امام استراتيجية الحروب العبثية، الغاية منها خراب ودمار وقتل وانتزاع كل امل ورجاء في قلوب الناس. نحن نصبر. هذا كلام تسمعونه كل يوم، من اخواني اصحاب القداسة والغبطة البطاركة والمطارنة والإباء، ... انا سعيد ان اكون معكم، لاضم صوتي الى صوتكم، الى صوت البابا فرنسيس المتمثل بشخص السفير الباباوي، الذي لا يمر اسبوع، الا ويدعو بالسلام لسورية الحبيبة. العالم بحاجة الى فداء. العالم فيه شر كبير. ولذلك هو بحاجة لمن من الابرياء يدفع ثمنه، وهنا تدفعون الثمن، وليس فقط الذين ماتوا، او هجروا، والذين يعيشون الخوف من المستقبل، فكل الشعب في سورية يتساءل الى اين المصير. المهم الا نفقد الرشد، هذا هو معنى لقاءنا غدا في المريمية، بدعوة من صاحب الغبطة يوحنا العاشر".
وأعلن البطريرك الراعي"نحن بطاركة انطاكيا الخمسة، معكم ونحن امامكم. امامكم في الطليعة، ووراءكم لنحافظ عليكم. نحن معكم في صلاتنا. نحن معكم في كل شيء. ونحمل قضية المسيحيين عامة، وابناء شعوبنا في سورية والعراق وفلسطين واليمن، وكل بلد يعاني. نحمل قضيتهم في كل مكان. نلتقي هنا، نلتقي في لبنان، نلتقي في روما، نلتقي في هذا العالم اكثر من مرة، نتكلم لغة واحدة". وختم : "نطالب برفع الظلم عن شعوبنا، نطالب بالسلام، نطالب بايقاف الحرب، نطالب بالحلول السياسية، نطالب بعودة النازحين مكرمين الى بيوتهم وديارهم، نندد بالظلم، نندد بموت الضمير العالمي، نندد بكل الذين يمدون بالسلاح والمال من اجل التخريب والتدمير والقتل والتهجير".

بعد القداس، دشن البطريرك الراعي مركز المطران ريمون عيد الاجتماعي، الذي يضم قاعة كبيرة ومكاتب وغرفا للخدمة الاجتماعية والاستقبال
ومساء،استقبل البطريرك الراعي المؤمنين في صالون المطرانية حيث زاره أيضاً وزير الأوقاف الاسلامية السورية محمد السيد على رأس وفد من المشايخ وعلماء الدين بحضور البطريرك أفرام الثاني وعدد من ألاساقفة والكهنة.
الى ذلك يشارك البطريرك الراعي غدا في تدشين مركز بطريركية الروم الأرثوذكس- الكاتدرائية المريمية، حيث يشارك في قمة بطاركة انطاكيا الى جانب : بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس يوحنا العاشر يازجي، بطريرك أنطاكية وسائر المشرق الرئيس الأعلى للكنيسة السريانية الأرثوذكسية في العالم مار اغناطيوس أفرام الثاني كريم، بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الملكيين الكاثوليك غريغوريوس الثالث لحام، بطريرك السريان الكاثوليك مار أغناطيوس يوسف الثالث يونان.
اليوم الثاني من زيارته الراعوية والكنسية الى دمشق
استهل غبطة البطريرك الكردينال مار بشارة بطرس الراعي اليوم الثاني من زيارته الراعوية والكنسية الى دمشق بزيارة بطريركية السريان الارثوذكس حيث كان في استقباله غبطة البطريرك مار إغناطيوس أفرام الثاني ولفيف من الأساقفة والكهنة. وبعد زيارة كاتدرائية مار جرجس توجه الجميع الى صالون البطريركية حيث عقد لقاء تناول التعاون بين الكنيستين خصوصا في ظل الظروف الراهنة التي يعيشها المسيحيون في الشرق الاوسط. وفي المناسبة تمنى البطريرك الراعي لسينودس الكنيسة السريانية الارثوذكسية النجاح والتوفيق في اعماله التي تبدأ غدًا في دير مار أفرام السرياني في معرة صيدنايا.
بعد ذلك توجه غبطته الى بطريركية الروم الاورثوذكس حيث شارك في لقاء بطاركة أنطاكيا بدعوة من غبطة البطريرك يوحنا العاشر الذي القى كلمة ترحيبية جاء فيها : "لعل الكلمة تعجز عن التعبير في كثير من المواقف فتختبئ وراء المشهد، وما احلاه مشهدا وشاهداً لقاء الاخوة معًا. وما اصدقها رسالة لشعبنا وللمشرق والعالم أجمع ان يجتمع بطاركة انطاكيا في هذا الظرف في سوريا وفي دمشق تحديدا. اردناه لقاء في دمشق لنطلق من هنا نداء المريمية. لنطلق في الوقت نفسه نداء سلام ورسالة مصارحة ووقفة تاريخ امام ما يجري وما يتسارع من احداث". ولفت غبطته الى ان لبنان واللبنانيين ينتظرون بحرقة عسكرهم المخطوف ورئاستهم المعلّقة. وأضاف : "نحن مدعوون ان نكون دومًا، كما كنا ونبقى، خميرًا راسخا متجذرًا في هذا الشرق. وخميرنا خمير محبة ولقيا مع الجار والأخ المسلم. خميرنا أيضاً هو خمير الوحدة المسيحية."وختم البطريرك يازجي :"نحن نؤمن ان الوحدة المسيحية هي خيار وجود وخصوصًا لنا نحن مسيحيي الشرق الاوسط. ونصلي ونعمل ان تجد هذه الوحدة كمالها".
بعد ذلك كانت كلمة للبطريرك الراعي قال فيها : " بفرح كبير نلتقي اليوم كلنا كإخوة مؤتمنين على ثقة شعبنا في هذا المشرق والعالم. فرحتنا كبيرة اننا قلب واحد ويد واحد. هكذا شاءت العناية ان نلتقي دائماً على خط واحد معا وهذا يساعد شعبنا ويعطيه المزيد من الامل.
ان السؤال المطروح علينا اليوم والذي علينا ان نتباحث به، هو كيف نحافظ على شعبنا في ارضنا، وكيف نواصل رباطنا معهم في حال اضطروا للسفر لكي يستطيعوا الرجوع يوم تهدأ الامور. والمهم كيف نحافظ عليهم هنا ونشجعهم ليحافظوا على اراضيهم وبيوتهم ولئلا يسارعوا الى بيعها، ونقول لهم : الارض باقية، الدول والانظمة تتغير وتتطوّر اما الارض فباقية. وان من نزح عن ارضه يجب ان يعود اليها موفور الكرامة. ونحن كبطاركة نرفع الصوت عاليا في المجتمع الدولي ونطالب- كما طالبنا دائما- بانهاء كل الحروب ولاسيما الدائرة في سوريا والعراق وفلسطين واليمن وسواها ونطالب ايضًا بالحلول السلمية للازمات وبعودة النازحين الى بيوتهم وبمساعدتهم لكي يعيشوا بكرامة. "
واضاف الكردينال الراعي : "نحن نرفض تعبير "الاقليات"، لان الصفة لا تنطبق علينا لا لاهوتيًا ولا تاريخيًا. فلاهوتيًا نحن جسد المسيح الموجود في كل مكان، نحن كنيسة المسيح الحاضرة في هذا الشرق ولسنا اقلية لا اتنية ولا دينية ولا ايديولوجية. وتاريخيًا ايضًا لسنا بأقلية فنحن اصيلون وعمرنا الفي سنة. نحن مواطنون لنا جميع الحقوق وعلينا كل الواجبات للدول والاوطان التي نعيش فيها. كما نرفض كذلك كلمة "حماية"، فحمايتنا هي الدولة وحقوقنا كمواطنين مثل غيرنا وانهاء الحروب، اما حمايات تأتينا من هنا وهنالك فنحن لا نقبلها لان الحماية تعني اننا ضيوف في ارضنا."
وختم نيافته : " الحضور المسيحي اليوم في الشرق هو حاجة اساسية لهذه البيئة المشرقية. في هذا المجتمع الذي لا يعرف اليوم سوى الحديد والنار، علينا ان نبقى هنا لنشهد لانجيل السلام، انجيل يسوع المسيح الذي هو انجيل كرامة الانسان وقدسية الحياة البشرية."
وخلال اللقاء نقل السفير البابوي في دمشق المطران ماريو زيناري بركة وتضامن قداسة البابا مع البطاركة المجتمعين ثم تلا رسالة رئيس المجلس الحبري لوحدة المسيحيين الكردينال كرت كوخ Kurt Koch الذي توجه الى البطاركة في مناسبة اجتماعهم معبرا باسم المجلس عن أمنياته الحارة وصلاته مؤكدا على" قربه الروحي في الالتزام المشترك لخدمة قضية السلام في هذه الظروف الصعبة." وأضاف : " تتجه أفكارنا نحو الجماعات المسيحية في الشرق الاوسط وخاصة في سوريا حيث تجتمعون فنصلي من اجل وقف الصراع والعنف وبناء السلام والوئام كما ننضم اليكم في التضرع من اجل المطرانين المخطوفين يوحنا ابراهيم وبولس يازجي وجميع الأسرى والمظلومين" . كما سأل الكردينال كوخ شفاعة الشهداء والقديسين في تعزيز الكنائس والجماعات المسيحية.
ثم تلا المطران أفرام معلولي المعاون البطريركي مسودة البيان - النداء الختامي التي تمت مناقشتها لتصدر بصيغة النهائية التالية :
نداء المريمية
1. بتاريخ الثامن من حزيران للعام 2015، وبدعوة من غبطة البطريرك يوحنا العاشر بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس اجتمع في الكنيسة المريمية في دمشق أصحاب الغبطة والقداسة، مار بشارة بطرس الراعي، بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للموارنة، مار إغناطيوس أفرام الثاني بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للسريان الأرثوذكس والرئيس الأعلى للكنيسة السريانية الأرثوذكسية في العالم، غريغوريوس الثالث لحام بطريرك أنطاكية وسائر المشرق والإسكندرية وأورشليم للروم الملكيين الكاثوليك، مار إغناطيوس يوسف الثالث يونان بطريرك السريان الكاثوليك الأنطاكي وشارك في الاجتماع سعادة السفير البابوي في سوريا رئيس الأساقفة ماريو زناري ورؤساء الطوائف المسيحية في دمشق وصدر عن هذا اللقاء الروحي النداء التالي :
إلى أولادنا المحبوبين بالرب في كنائس أنطاكية
2. "لتكن لكم النعمة والسلام من الله أبينا والرب يسوع المسيح الذي بذل نفسه من أجل خطايانا لكي ينقذنا من العالم الحاضر الشرير، وفقًا لمشيئة إلهنا وأبينا له المجد إلى أبد الآبدين آمين" (غلاطية ١ : ٣-٥).
نشكر الله أولاً الذي سمح أن نلتقي، نحن البطاركة المؤتمنين على رعاية الشعب المسيحي المنتشر في المدى الأنطاكي، في دمشق، هذه المدينة المباركة التي احتضنت بولس رسول الأمم. ومن هذه البطريركية العامرة التي لطالما دافعت عن القضايا الإنسانية المحقة على مر الزمان، نرفع الصوت ونصلي لله على الدوام لأجلكم لأنكم، في هذا الزمن المظلم، « تعيشون عيشة تليق بالإنجيل » ولا تخجلون بالشهادة لربنا يسوع المسيح الذي « سحق الموت وأنار الحياة » وتتحملون المشقات متّكلين « على قدرة الله » ومتسلحين « بروح القوة والمحبة والبصيرة ». ولا حاجة أيها الأحبة أن نوصيكم أن تذكرونا نحن رعاتَكم في صلواتكم، من أجل أن يشددنا الله « لنقطع باستقامة كلمة حقه » ونمجد اسمه القدوس في أعمالنا فيما نقود سفينة الكنيسة في هذه الظروف التاريخية المصيرية.
3. وإذ نخاطبكم بهذه الكلمات، نود أن نقول لكم : فرحنا الكبير بلقائنا الأخوي يتجدد، وبالتشاور في ما بيننا يتعمق، وبالتعاون يزداد، من أجل الشهادة المسيحية الأنطاكية الواحدة في هذا المدى الذي فيه « دعي التلاميذ مسيحيين أولاً » (أعمال الرسل 11 : 16) ، وحيث أرادنا الله أن نكون له شهودًا. ولذلك، ندعوكم، وضمن ولائكم الكامل لكنائسكم وعقائدها وتعاليمها، أن تتعاضدوا في ما بينكم وتخدموا الفقراء بتفانٍ، وأن تتعرفوا إلى فكر كنائسنا الغني، وأن تكتشفوا القداسة المشعة فيها، وأن تتعمقوا في معرفة التراث الأنطاكي بمختلف روافده، وأن تصلوا « من أجل وحدة المسيحيين »، وأن تعملوا لتحقيق هذه الوحدة المرجوة التي أوصانا بها السيد، علها تتحقق في عالمنا انطلاقًا من أنطاكية.
وندعوكم أيضًا أن تحملوا أوطانكم في فكركم وصلواتكم، وأن تطلبوا بإلحاح أن يعم السلام في ربوعها وأن ينعم أبناؤها جميعًا بالفرح الحقيقي وأن يعيشوا معًا بكرامة « أبناء الله ». لا تنسوا أن تعملوا جاهدين من أجل وحدة بلدانكم ورقيها وقيام الدولة المدنية فيها. حافظوا على التعددية بكل ما فيها من غنى ولا تخسروا تمايزكم وفرادتكم. تعمقوا في الإيمان واشهدوا « للرجاء الذي فيكم » في كل ميادين حياتكم. لا تجعلوا إيمانكم أبدًا سببًا للفرقة أو حاجزًا يحجب بهاء الآخر وعظمته.
4. كما ندعوكم أيها الأحباء أن تواظبوا على أطيب العلاقات مع إخوتنا المسلمين، شركائنا في الوطن والمصير، الذين نعيش معهم في هذه الأرض والذين نتقاسم وإياهم في هذه الأيام ويلات العنف والإرهاب الناتجين عن الفكر التكفيري وعبثية الحروب التي تؤججها مصالح الكبار مستخدمة تفسيرًا مغلوطًا للدين. فشركاؤنا هؤلاء يشعرون بوجعكم ويتألمون لآلامكم. وهم يعملون مع مرجعياتهم الدينية والفقهية، لاستئصال جذور الفكر التكفيري الذي حصد ولا يزال يحصد في كل مرحلة عشرات الألوف من البشر. ونحن معهم، وبإخلاص الشريك الوفي، نرفع الصوت ونعلن أنه حان الوقت لمواجهة الفكر التكفيري وتجفيف منابعه من خلال تربية دينية تعمم ثقافة الانفتاح والسلام وحرية المعتقد. فمن الملح بلورة فكر نقدي يقود إلى إلغاء مقولة « دار الحرب » و« الذمية » وإلى إقرار المواطنة.
5. إنه لزمن رديء حقًّا يستبيح فيه الإرهابيون كل شيء باسم الله، خدمة لأهوائهم ولمصالحهم ومصالح كبار هذا العالم. وفي وقت يسود فيه الخوف والعنف والسبي والخطف والقتل والدمار والتهجير، ويُجبر الإنسان على تغيير دينه من مجرمين لم يعرفوا الله ولا رحمته، ولم يفهموا أنه قد ارتضى بحكمته أن يقيم عباده على التعدد. فإن قاتليكم لا يدركون أنهم بقتلكم يحكمون على ذواتهم بالشقاء الأبدي وعلى أوطانهم بالتخلف. وفي قلب هذه الأزمة الضاغطة، لا تنسوا وعد السيد أن « لا تخف أيها القطيع الصغير لأن أباكم قد سرّ أن يعطيكم الملكوت » ( لوقا ١٢ : ٣٢). نعم يا أحبة، في هذه الأيام الصعبة، حيث تعم « رجسة الخراب » وحيث « يساق الناس كالغنم إلى الذبح »، تشددوا ولا تيأسوا. تقووا وتشددوا بالنعمة التي تكمّل كل نقص. التزموا « جهاد النفس » القائم على التطهر والغفران والمحبة. تخلقوا بأخلاق الإنجيل. اتكلوا على ربكم الذي غلب الشر والموت فهو لن « يصرف وجهه عنكم ». هو رفيقكم على دروب التشرد والنزوح والهجرة. هو سندكم في الفقر والجوع والفاقة. هو تعزيتكم عندما تظلم الأيام وتنعدم المروءة وتساوركم الشكوك في عناية الله بكم. هو سلامكم في المحنة، هو النور الذي يقودكم في ظلمات هذا العالم. وهو قيامتكم من كل يأس وموت. وهو انتصاركم على الشرير وأدواته وحيله.
6. وفي أزمنة المحنة هذه، التفّوا حول الكنيسة التي هي امتداد المسيح الرب في العالم. واكبوا كنائسكم، فإننا بروح مسؤوليتنا الرعوية، ملتزمون بمضاعفة جهودنا، بالتضامن مع ذوي الإرادة الطيب، من أجل اتخاذ المزيد من المبادرات اللازمة للمحافظة على وجودنا جميعاً على أرضنا، ولمواجهة حاجاتكم العائلية والمعيشية وضمانة مستقبل شبيبتنا، وهي القوى الحية والواعدة في أوطاننا. وإننا نعرب عن شكرنا وتقديرنا لجميع المتطوعين الذين يتفانون في خدمة المحبة في مؤسساتنا. التفوا حول الكنيسة واستشفعوا شهداءها الذين سقطوا دفاعًا عن الإيمان، وتمثلوا بمعترفيها الذين عانوا بأجسادهم لتثبيت هذا الإيمان. صلوا من أجل المضطهدين والمخطوفين من رعاتكم وإخوتكم ولاسيما من أجل مطراني حلب بولس يازجي ويوحنا إبراهيم، والكهنة المخطوفين، وكان آخرهم الأب جاك مراد. تعاضدوا واحملوا بعضكم أثقال بعض. افرحوا مع الفرحين وابكوا مع الباكين. اعتنوا بالفقراء في محنتهم فهؤلاء أحبة المسيح. آسوا الأرامل واليتامى. تقاسموا قوتكم مع الجياع. خففوا عن النازحين والمهجرين. واكبوا كنائسكم في تنظيمها للعمل الإغاثي والخدمة الاجتماعية. ابذلوا بكرم وضحوا بأوقاتكم في سبيل « إخوة يسوع الصغار ».
7. ولأبنائنا في سوريا بعد أن وقع شعبها البريء والمسالم في قبضة إرهاب تستخدمه قوى هذا العالم لتفتيته وطمس حضارته وإخضاع إنسانه وطرده من أرضه، نؤكد تشبثنا بوحدة هذا البلد وبحق أبنائه بالعيش بأمن وحرية وكرامة . ونطالب العالم بالعمل الجدي على إيجاد حل سياسي للحرب العبثية التي تعصف بسوريا، حلٍّ يضمن إحلال السلام وعودة المخطوفين والمهجرين والنازحين وحق الشعب السوري بتقرير مصيره بحرية تامة وبعيدًا عن كل تدخل خارجي.
وللعراق، الذي يعاني من ويلات حروب متتالية، اقتلعت شعوبًا بأكملها من أرض أجدادها، كما حصل العام الماضي في الموصل وقرى وبلدات سهل نينوى، (حروبٍ) عَرَفت فظائع ذكّرت العالم بهمجية القرون الغابرة، وهي تستمر بتدمير حضارات ضاربة في القدم خدمة لمشاريع عنصرية وطائفية غريبة عن حضارة أبناء البلاد.
أما لبنان، البلد الرسالة، فندعو إلى الإخلاص له وحده، والتّكرس لخدمته وخدمة مصالح شعبه والعمل على انتخاب رئيس للجمهورية يعيد للمؤسسات الدستورية انتظامها ويعمل على بناء وطن يفرح به أبناؤه.
وللأحبة في فلسطين، يؤكد الآباء أنهم سيظلون محور اهتمامهم ولن يخبو صوتهم أبدًا في الدفاع عنهم وعن قضيتهم المحقة مهما حاول العالم تجاهلها وإضعافها من خلال تزكية حروب ونزاعات جانبية، الهدف منها أن يعيش مغتصبو الأرض الفلسطينية بسلام وطمأنينة.
8. أما للمجتمع الدولي فنطالبه بتحمل مسؤولياته في إيقاف الحروب على أرضنا وإيجاد حلول سلمية وسياسية للنزاعات القائمة والعمل الجدي على إعادة النازحين والمهجرين إلى بيوتهم وممتلكاتهم وحماية حقوقهم كمواطنين.
ونقول له إننا أصيلون في هذه الأرض، ومتجذرون بترابها الذي سقي بعرق جبين آبائنا وأجدادنا. ونؤكد أكثر من أي يوم مضى أننا باقون فيها لنبنيها مع شركائنا في المواطنة. فنحن مؤتمنون على هذه الأرض التي سالت دماؤنا دفاعًا عنها، وتقدست بدماء شهدائنا. ونحن ندعو كل من يدّعي الاهتمام بمصيرنا إلى أن يساعدنا على البقاء والتجذر في أرضنا، من أجل حراثتها وتنميتها والاستفادة من خيراتها لا أن يسهّل نهب تراثنا وخيراتنا وتدمير حضارتنا واستعباد إنساننا أو إرغامه على الهجرة. ونطلق الصرخة ونطالب أيضاً بإيقاف الحرب على أرضنا ودعم أسس الاستقرار في كل أنحاء المنطقة.
9. أيها الأحبة، في هذا الوقت الذي يُقتل فيه الانسان باسم الله نحن مطالبون أكثر من أي وقتٍ مضى بأن نتيقن أن « المحبة أقوى من الموت ». فالقتل باسم الله هو طعن في صميم الله. إخلاصنا لمسيحنا القائل "طوبى لفاعلي السلام فإنهم أبناء الله يدعون" يحتّم أن نكون رسل سلام في هذا الشرق. دورنا أن نواجه كل فكر أو ايديولوجية تقدس العنف والقتل والانتقام. إيماننا بالله لا يمكن أن نترجمه إلا محبة وسلامًا للبشر ودفاعاً عن أرضنا وكنائسنا ضمن حرية أبناء الله التي من أبسط قواعدها احترام التعددية والاختلاف.
10. ومن هذه الكنيسة المريمية، نضرع إلى والدة الإله، أمنا جميعًا، والشفيعة الحارة لدى المخلص، أن تنقذنا وأوطاننا من الشدائد المحيطة بنا، وأن تشددنا لكي نكون على صورتها أشخاصًا يشهدون للمسيح في ليل هذا العالم. ألا بارككم الله وقواكم لتبقوا شهودًا له في هذه الديار. دعوتكم أن تظلوا « ملحَ الأرض » « والخميرةَ الصغيرة التي تخمر العجين ». لا تستهينوا بهذه الدعوة من أجل خلاص العالم. ثقوا بأنه بكم سيبقى إنجيل المسيح فاعلاً في كنيسة أنطاكية.
وبعد ظهر اليوم عاد البطريرك الراعي الى الصرح البطريركي في بكركي على ان يترأس يوم الاربعاء المقبل الرياضة الروحية والمجمع السنوي المقدس للكنيسة المارونية.

(c) Eparchie Notre-Dame du Liban de Paris des Maronites - mis en ligne le 14 janvier 2013 - Mentions Légales