رســــــالـــة الــمــيـــــــلاد للبطريرك الكردينال مار بشاره بطرس الراعي

بكركي، في 24 كانون الأول 2014

" مجدُ الربِّ أشرقَ حولَهم "

(لو2 : 9)

نورٌ من السماء

1. في هَجعات اللَّيل، عندما وُلِدَ يسوع في مذود، في بيت لحم، "أشرقَ مجدُ الرّبّ" حولَ رُعاةٍ كانوا يحرِسون قطعانَهم، في محلّةِ حقل الرّعاة المعروفة اليوم "بيت ساحور"، جارةِ بيت لحم، ظهرَ لهم الملاكُ وقال : "لا تخافوا ! فها أنا أبشّرُكم بفرحٍ عظيم يكونُ للشّعب كلِّه : اليومَ، في مدينة داود، وُلِدَ لكم مخلّصٌ، هو المسيحُ الرّبّ" (راجع لو2 : 6-11). هو النورُ جاءَ إلى العالم الغــارق في الظّلام، فأنــاره، ودعـــاهُ ليعيشَ في نورِ الحقيقةِ والمحبّةِ والعدالةِ والحرّيّة، في نورِ السّلام. أسرعَ الرّعاةُ إلى بيت لحم، فشاهدوا النّورَ المتجسِّد، الطّفلَ المُضجَع في المذود، مُحاطًا بيوسف ومريم. ثمّ رجعوا فرحين ومُمجِّدين الله على كلِّ ما سمعوا ورأَوا (راجع لو2 : 16-20).

2. في بدايةِ هذه الرّسالةِ الميلاديّة وبحضور السَّادة المطارنة والرؤساء العامِّين والرئيسات العامّات والرهبان والراهبات والكهنة وسواهم، يسعدُني أن أُعرِبَ باسم الأسرةِ البطريركية عن أخلصِ التّهاني والتمنّيات لكم، أيّها الحاضرون، ولكلِّ أبناءِ وبنات كنيستنا وسائر الكنائس في لبنان والنّطاق البطريركي وفي بلدان الإنتشار؛ ونقدّمَ التّهاني أيضًا لكلّ أصحاب الإرادات الطيّبة فنحيّيهم جميعًا التّحيّةَ الميلاديّة مع كلِّ ما تحمل من خيرٍ ونِعَم ونور : وُلِدَ المسيح، هلِّلويا !

3. ما أجملَ أن نُنشدَ في هذه الأيّام، نشيدَ الكنيسة الصّباحي للقديس أفرام السّرياني :

أشرقَ النّورُ علـى الأبـــرار

يسوعُ ربـــّـُــنا الــــمـــسيـــح
فجاءَ وأنقذَنا من الظّلمة

والفرحُ على مُستقيمي القلوب

أشرقَ لــَــنــا مـــن حشـــا أبــيـــه
وبِـنـُــورِه الـــــوَهــــــَّــاج أنـــَــارَنــــَـــا

سنردّدُ هذا النّشيدَ، وفي أيدينا الشّموعُ المُضاءة، أثناءَ الإحتفال برتبةِ سجدةِ عيد الميلاد، في الكاتدرائيات والكنائس الرّعائيّة وكنائس الأديار والمؤسّسات. وقد أَعدَّت لجنتُنا البطريركيّة للشؤون الطقسيّة هذه الرّتبة، وعمَّمتها، ووزَّعتها. نأملُ أن يستعملَها الجميعُ في قدّاسِ نصف اللّيل وقدّاس الصّباح، إحتفاءً بالمسيح نورِ العالم. وقد أتى لكي "لا يمشيَ في الظّلام كلُّ مَنْ يتبعُه، بل يكونَ له النّورُ الذي يقودُ إلى الحياة" (يو8 : 12).
نورٌ يبدّدُ الظُّلمات

4. النّورُ الحقيقيُّ الذي يُنيرُ العقولَ بالحقيقة، والإراداتِ بالخير، والقلوبَ بالحبّ، والضّمائرَ بصوتِ الله في أعماقِ النّفس، هو يسوعُ المسيح الذي يُنيرُ كلَّ إنسان آتٍ إلى العالم، بنور الكلمة والحياة (راجع يو 1 : 1و4و9). فما من خوفٍ مهما اشتدّتِ الظّلماتُ في العالم، وما أكثرَها : ظلمةُ الخطيئة والشرّ والكذب؛ ظلمةُ الحقد والبُغض والنزاع؛ ظلمةُ الحرب والعنف والإرهاب؛ ظلمةُ الإستبداد والإستكبار والظلم؛ ظلمةُ السّرقة والرّشوة والإحتيال؛ ظلمةُ الخطف والتّعذيب؛ ظلمةُ الألم والمرض؛ ظلمةُ الفقر والتّهجير.

وكأنّ هذه الظّلماتِ لا تكفي، فأُضيفت عليها عندنا ظلمةُ التبعية وعدمِ الولاء للوطن المؤدِّيَين إلى انتهاك الدستورِ والميثاقِ الوطني والصيغةِ اللُّبنانية وعدمِ انتخاب رئيسٍ للجمهورية منذ الخامس والعشرين من أذار الماضي، فيما أبوابُ القصر الجمهوريّ مقفلةٌ منذ 25 أيار، من دون أيِّ وخزِ ضمير؛ ظلمةُ التعيينات السياسيّة والمذهبيّة في الوظائف العامّة من دون احترام قاعدة المناصفة؛ظلمةُ الفساد الغذائي والبيئي؛ ظلمةُ الاستيلاء على الأملاكِ العامّة والمشاعات والمالِ العام عن طريقِ الاحتيال والرّشوة؛ ظلمةُ المصالحِ الخاصّة التي تحجبُ الخيرَ العام؛ ظلمةُ التطرّف الديني والمذهبي الآخذِ في تشويه وجهِ لبنان؛ ظلمةُ الحساباتِ السياسيّة المذهبيّة التي حالت دونَ التوافقِ على قانونٍ عادلٍ للانتخابات يؤمِّنُ صحّةَ تمثيلِ المكوِّنات اللُّبنانية ويضمنُ للمواطنين حقَّهم الدستوري في مساءلة ممثِّليهم في المجلس النيابي ومحاسبتهم؛ ظلمةُ العسكريِّين المخطوفين وآلامِ أهلهم؛ ظلمةُ التداعيات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية الناتجة عن كارثة المليون ونصف مليون نازح سوري على أرضِ لبنان.

5. كلُّ هذه الظُّلماتِ، مهما اشتدَّت، لا تستطيعُ إطفاءَ النورِ الإلهي. وقد جاءَ في إنجيلِ يوحنا، أنّ "النّورَ يُشرِقُ في الظّلمات، أمّا الظّلماتُ فلم تغشاه" (يو1 : 5). مهما اشتدّت ظلماتُ هذا العالم، لا تستطيعُ أن تُطفئَ نورَ المسيح في العقلِ والإرادةِ والقلب. فنورُه إيمانٌ ورجاءٌ ومحبّة، ولا تستطيعُ شرورُ العالم انتزاعَها والسّيطرةَ عليها. لَكَمْ سمِعنا من المسيحيِّين المضطَّهَدين أو المُعتدى عليهم، هنا وهناك وهنالك، يقولون : "هدموا بيوتَنا، وسلبوا أموالَنا، لكنّهم لم يستطيعوا أن يهدموا أو يسلبوا إيماننا !"

جاءَ المسيحُ النّورُ إلى العالم لكي يصيرَ جميعُ النّاس أبناءً لله، مولودين من الله، أبناءَ نورِ الحقيقة والمحبة، ويَنعَموا بالحياةِ مع الكلمةِ الذي صارَ بشرًا وسكنَبيننا،ويشاهدوامجدَه،ويمتلئوامنالنّعمةِوالحقّ، كما جاءَ في مستهلِّ إنجيل يوحنا (يو 1 : 12- 14). وأرادَ المسيحُ النورُ أن يُصبحَ كلُّ إنسان نورًا في بيئتِه ووظيفتِه ومكانتِه وحالتِه : "أنتم نورُ العالم، أنتم ملحُ الأرض" (متى 5 : 13-14).

خروجُ لبنانَ من ظلماته

6. لكي يخرجَ لبنانُ من ظلماته، يحتاجُ أوّل ما يحتاج إلى رئيسٍ للجمهورية يملأُهُ نورُ المسيح، ويكونُ الرأسَ السليمَ الواعيَ الحكيم. يحتاجُ إلى رئيسٍ معروفٍ بتاريخهِ وممارساتهِ، متجرّدٍ من ذاتِه ومن مصالحِهِ الصغيرة، مُحبٍّ للبنانَ وشعبِه وكيانِه ومؤسَّساتِه، ويدلُّ إليه ماضيه وحاضرُه. مثل هذا الرئيس يستطيعُ إعادةَ الأوّلويّة للمصلحة الوطنية العليا، وتركيزَها على أساسِ الميثاقِ وصيغتِه والدستور، وقيادةَ الحوارِ الوطنيِّ الشفّافِ والصريحِ الذي يُفضي إلى سلامٍ داخليٍّ حقيقيّ، وإلى تحديدِ الأولوياتِ للنهوضِ بلبنان. إنّ "المذكِّرةَ الوطنية" التي أصدرناها في 9 شباط 2014، ورحّبَ بها معظمُ اللُّبنانيّين، ترسمُ خريطةَ الطريقِ لإخراجِ لبنان من أزمتِه السياسيّةِ وتداعياتِها الاقتصاديّةِ والأمنيّةِ والاجتماعيّة.

7. ويحتاجُ لبنانُ إلى رجالِ سياسةٍ مؤهَّلينَ ثقافيًّا وإنسانيًّا وأخلاقيًّا، جديرينَ بممارسةِ فنِّ السياسةِ القائمِ على خدمةِ الإنسانِ والخيرِ العام، بحيثُ تتوفّرُ للجميعِ شروطُ الحياةِ الكريمةِ والوافرة، الشخصيَّةِ منها والجماعية؛ رجالِ سياسةٍ يكونُ ولاؤهُم أوّلاً وآخِرًا للبنان، ويكونون مُدركينَقيمتَهكوطنٍمُميَّزٍبخصوصيَّتِهِمنحيثُالكِيانِوالقيمةِ الحضاريةِ والدورِ والرسالةِ في محيطهِ العربي؛ رجالِ سياسةٍ يُؤمنون بالديمقراطيةِ السليمةِ ويمارسونَها، وبحقوقِ الإنسانِ ويتفانَون في تأمينِها وحمايتِها، ويَغارون على سيادةِ لبنانَ وأمنِه واستقرارِه، وكرامةِ مؤسّساتِه وشعبِه (راجع شرعة العمل السياسي، المادة 27 و29).

8. إنّنا ندعو الجميعَ، في أبرشيّاتِنا ورهبانيّاتِنا في الـرعـايـا والأديــارِ والمؤسّسات، للصــلاةِ على هذه الـنـيّة : انتخـابِ رئيـسٍ للجمهــوريةِ اليـومَ قـبلَ الغـد؛ إلتـزامِ رجالِ السياسةِ بالمبادئِ الوطنية وباحترامِ الدستورِ والميثاقِ الوطنيِّ والصيغةِ المُنظِّمة للعيشِ المشتركِ وللمشارَكةِ المتناصِفةِ والمتوازِنةِ في الحكمِ والإدارة؛ الاستـقـرارِ في لـبـنـانَ والســلامِ فـي سـوريــا والعراق والأراضي المقدسة، وفي سائر بلدان الشَّرق الأوسط.
الميلادُ يومٌ جديدٌ دائمٌ في العالم

9. اليومَ وُلِدَ لكُم المخلّص (لو 2 : 9). إنّه اليومُ الجديدُ في تاريخِ البشر، يومَ وُلِدَ إنساناً على أرضنا الإلهُ المولودُ من الآبِ من دون بداية. إنّه نورٌ من نور، إلهٌ حقٌّ من إلهٍ حقّ. هو يومُ الخلاصِ الأبديِّ الذي وافانا. يومُ إعلانِ السّلامِ هديّةً من الله لجميع النّاس، لكي ينعموا بالسّعادةِ والفرح : "سلامي أُعطيكم" (يو 14 : 27). واليومَ يطلبُ منّا أنْ نحافظَ على هـذا السّلامِ الآتي من الله، وأنْ نبنيَه كأبناءٍ لله في محيطِنا، في العائلةِ والمجتمع، وفي الكنيسةِ والدّولة : "طوبى لفاعلي السّلام فإنَّهُم أبناءَ الله يُدعَون"(متى 5 : 9).

هـو اليومُ الذي صارَ فيهِ ابنُ اللهِ إنسانًا، لكي يصيرَ بنو البشرِ أبناءَ الله. وقد ردّدَ آباءُ الكنيسة : "تأنّسَ اللهُ، لِيؤلِّهَ الإنسان". الإلهُ انحدرَ إلى أرضِنا، لكي يرتفعَ بنا إلى السماء. هو يومُ السلامِ والمجدِ والرجاء : يومُ السلامِ على الأرضِ بشخصِ الإلهِ الذي صارَ بشرًا؛ ويــومُ المجدِ في السماءِ بالإنسانِ الجـديـدِ يسوعَ المسيح، وبكلِّ إنسانٍ يتجدَّدُ به، على ما قال القديس إيريناوس : "مَجْدُ اللهِ الإنسانُ الحيّ؛ ويومُ الرجاءِ لجميعِ الناس لأنّهُ جوابُ التَّوْقِ إلى السعادةِ الذي وضعَهُ اللهُ في قلبِ كلِّ إنسان، ليحميَهُ من اليـأسِ، ويــزرعَ فـيه السكينة. بهذا الرجاءِ تهتفُ الكنيسةُ مع أبـنـائِها في كــلِّ يــوم : "تـعــالَ، أيّها الربُّ يسوع" (رؤ 22 : 17 و20).

اليـومَ أتى ابـنُ اللهِ إلى أرضِنـا إنسـانًا، لـكي يجعلَ كلَّ شيءٍ جديدًا (رؤيا 21 : 5). الكنيسةُ، منذُ ألفَي سنة، هـي فـي حـالـةِ تجــدُّدٍ دائـمٍ بكــلمةِ الإنجـيــلِ ونعمــةِ الأسرارِ وفعلِ الرّوحِ القدس، وتعملُ جاهدةً على تجديدِ الإنسانِ والمجتمع، حتى تنطبعَ في الجميعِ صورةُ المسيح. ثلاثةُ أحداثٍ أدخلتْ كنائسَنا الشّرقيّةَ في حركةِ تجدُّدٍ شاملٍ ودائم : سينودسُ الأساقفةِ الرومانيّ من أجلِ لبنان وإرشادُه الرسولي : "رجاءٌ جديدٌ للبنان"(أيار 1997) للبابا القديس يوحنّا بولس الثاني، والمجمعُ البطريركيُّ المارونيُّ ونصوصُه الثلاثةَ والعشرين (2003-2006)، وجمعيةُ السينودسِ الخاصةِ بالشَّرقِ الأوسط، وإرشادُها الرسوليّ : "الكنيسةُ في الشَّرقِ الأوسط، شركةٌ وشهادة" (أيلول 2012) للبابا بندكتوس السادس عشر. واليومَ يقودُ قداسةُ البابا فرنسيس حركةً تجدّديّةً شاملةً بروحٍ رساليٍّ يُخرجُ الكنيسةَ إلى ضواحي الفقرِ والجهلِ والظلمِ واحتقارِ قُدسيّةِ الحياةِ وكرامةِ الشخصِ البشريّ.
أيُّها الإخوةُ والأخواتُ الأحبّاء

9. إنّنا نصلّي جميعًا من أجلِ أنْ "يُشرِقَ حولَنا مجدُ الربّ" (لو2 : 9)، في هذا العيد، كما أشرقَ في أجواءِ بيتَ لحم، ليلةَ ميلادِ يسوعَ المسيح، فادي الإنسانِ ومخلّصِ الجنسِ البشريّ. ولنقبَلْ في داخلِنا السلامَ الآتي من اللهِ لكي نتمكّنَ من أنْ نبنيَهُ في كلِّ عائلةٍ ومجتمعٍ ووطن، في لبنان وهذا المشرقِ وفي بلدانِ الانتشار. ولنمجّدِ اللهَ في إنسانِنا المتجدِّدِ بالمسيحِ وفي كلِّ إنسانٍ تتجدّدُ فيه صورةُ اللهِ بهيةً. ولنكنْ أقوياءَ بالرجاءِ فنصمُدَ بوجهِ المحنِ والمصاعبِ ونخرجَ منها إلى ميناءِ عالمٍ أفضل، ولنُعلنْ بملءِ أفواهِنا :

وُلد المسيح ! هللويا

 !

عظة البطريرك الكردينال مار بشاره بطرس الراعي - عيد الميلاد المجيد - بكركي، 25 كانون الأوّل 2014

"أبشِّركم بفرحٍ عظيم يكونُ للشَّعب كلّه : وُلِدَ لكم اليومَ مخلّصٌ، المسيحُ الربّ"

(لو 1 : 11)

1. الخبرُ المُفرح العظيم هو بدايةُ عهدٍ جديد في حياة الإنسان والعالم يقود إلى يسوع المسيح، فادي الإنسان ومخلّصِ الجنس البشري. إنّه عهدُ انتصارٍ على الظلمة، عهدُ خبزٍ سماوي لحياة البشر، عهدُ السلامِ والرجاء في الأرض ومجدُ الله في السماء.

2. يسعدُنا أن نحتفلَ معكم بعيدِ ميلادِ الربِّ يسوع، وبهذا العهدِ الجديد، راجين أن يولدَ المسيحُ في قلوبنا لكي نلتزمَ ببناءِ عهدٍ جديد في عائلاتنا ومجتمعاتنا ووطننا. نحيّيكم جميعاً، أيّها الحاضرون، ونُعربُ لكم عن أخلصِ التمنيات والتهاني بالعيد. نسألُ المسيحَ الربّ أن يفيضَ عليكم "فرحه العظيم" المملوءَ نعماً وبركاتِ خيرٍ وسلامٍ ورجاء، فتخرجون من هذا اللقاء مع طفلِ المغارة بفرحِ رعاةِ بيتَ لحم، مسبّحين اللهَ على كلِّ شيء بأعمالِكم ومبادراتكم الجديدة التي تدلُّ على التزامِكم في بناء عهدٍ جديد في العائلة والمجتمع والوطن.

3. ليست البُشرى "بفرح عظيم" خبراً من الماضي يقفُ عند زمانه. بل هي خبرٌ متجدِّدٌ في كلّ مكان وزمن، وخبرٌ لنا اليوم. فالمسيحُ إيّاه، الذي "هو هو أمس واليوم وإلى الأبد" (عبرا 13 : 8)، هو نفسُه الخبرُ والفرح العظيم. إنّه كلمةُ الله، كلمةُ الحياة والنور، الذي صار بشراً منذ ألفَي سنة، والذي يريدُ أن يكونَ "هذا البشر الجديد" في كلّ إنسان. إحتفالُنا بذكرى ميلادِ المسيح الفادي والمخلّص هو بالحقيقة احتفالٌ بميلادنا نحن فيه لولادة جديدة بكلمة الإنجيل ونعمة الأسرار. نحن نتمثِّل ميلاده وثماره في المغارة والشجرة، كتذكارٍ لِما جرى، لكنّنا في الواقع نسعى لأن يتحقّقَ فينا اليوم هذا الذي جرى منذ ألفَي سنة، أي أن يولدَ المسيحُ في قلوبنا، ويجعلَ منّا جسدَه الحيّ، وأن نتلألأ في شجرة الكنيسة بالفضائل الإنجيلية والإنسانية، وبالقيَم الاجتماعية والوطنيّة.

4. عهدٌ جديد بدأ في الميلاد، ونحن اليوم مدعوّون لنعيشَه عهداً جديداً في عائلاتنا ومجتمعاتنا ووطننا. لا يمكن البقاء في ماضي الأمس العتيق، ماضي الرؤية الضيّقة والموقف المتحجّر، ماضي الرأي الجامد والنظرة القصيرة، ماضي المصالح الصغيرة المقفلة على الصالح العام. فالبقاءُ في ماضي الأمس موتٌ في الحاضر والمستقبل. إنّ سيّدَ التاريخ هو الله، أمّا الإنسان، كلُّ إنسان، فهو معاونُ الله في صنع التاريخ. إنّها مسؤوليةٌ تأتي كلّ واحد وواحدة منّا في موقعه وعمره وحالته ومكانته ومسؤوليته.

في هذا العهدِ الجديد أتانا خبزٌ من السماء، هو خبزُ كلمة الله التي هي الكلمة المتجسّدة، يسوع المسيح، وخبزُ جسده ودمه. هذا الخبز وُلد في مدينة الخبز "بيت لحم" بحسب مفهومها اللَّفظي. وهو الذي يُدخلُنا في عهدٍ جديد مع الله والناس. إنّه خبزُ الحقيقة المطلقة التي تنير جميعَ حقائق الناس النسبية؛ الحقيقة التي تحرّر وتوحّد. وهو خبزُ المحبة والعطاء الذي يجعل من المسؤولية والسلطة خدمةً تتفانى حتى بذل الذات. وهو خبزُ السلام المزروع من الله في قلب الإنسان، لكي نصنعه سلاماً اجتماعيّاً مبنيّاً على العدالةِ بكلّ وجوهها؛ سلاماً اقتصاديّاً مبنيّاً على شروطِ الحياة الكريمة، وعلى إنماءِ الشخص البشري والمجتمع؛ سلاماً وطنيّاً مبنيّاً على احترامِ حقوق المواطنين بوجود دولةٍ تؤمّنُ لهم، من خلال مؤسَّساتها الدستورية والعامّة، الخيرَ العام الذي يشمل كلَّ شروط الحياة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والأمنية؛ دولةٍ يكون الولاء لها أوّلاً وآخراً، ويُحترَمُ فيها الدستور والميثاق الوطني وصيغة العيش المشترك بالمساواة والمشاركة المتوازنة في الحكم والإدارة.

5. قيمتُنا وكرامتُنا أنّنا مدعوّون لنحقّقَ هذا العهدَ الجديد في زماننا ومكاننا. فلنُسرعْ إلى هذا الالتزام، كما أسرعَ رعاةُ بيتَ لحم إلى المغارة، ورجعوا حاملين الرجاءَ والفرح والمعنى لوجودهم؛ وكما سارَ المجوسُ من المشرق البعيد وبحثوا عن الطفل، الملكِ الجديد المولود، ورجعوا ممتلئين حكمةً وفطنةً في الحياةِ اليومية وسعادةً لا توصف.

كم نتمنّى أن يكونَ مجيئُنا إلى أمام مغارة الميلاد دخولاً في منطقٍ جديد، ومقصدٍ جديد؛ وانقلاباً على ماضٍ عقيم وغيرِ مجدٍ. فالمسيحُ الذي نُحيي ذكرى ميلاده نورٌ سطعَ في ظلمات الليل، لكي يسطعَ كلَّ يوم في ظلمات حياة كلِّ إنسانٍ وجماعة وشعب. نعني بها الظلمات الروحية والفكرية والثقافية؛ ظلمات الخطيئة والشّر؛ ظلمات الكذب والتجنّي عبر التقنيّات الجديدة وسوء استعمال حرّية الإعلام؛ ظلماتِ الرؤية الضّيقة التي تغشاها المصلحةُ الشخصية والمآرب الخاصّة؛ ظلماتِ الحقد والبغض والعداوة؛ ظلماتِ الأحكامِ المسبقة والمغرضة التي تأسر عقل صاحبها، وتكذّب الحقيقة الواضحة، ورؤية العين، وسماع الأذن.

6. وكم نودُّ أن يساعدَ هذا النورُ الإلهي المسؤولين السياسيِّين ليَرَوا الأخطارَ والنتائجَ الوخيمة على الكيان اللُّبناني والمؤسسات الدستورية التي يُحدثُها عدمُ انتخاب رئيسٍ للجمهورية؛ وليَرَوا كيف أنّ غيابَ رئيسٍ للبلاد يولِّدُ الفوضى ويستبيحُ التعدّي على المال العام ومرافق الدولة، ويعطّل أجهزة الرقابة، وينشر الفساد في الإدارات العامّة، ويسهّل الرشوة على حساب الدولة وأموالها وأملاكها ونموّها وتقدّمها. مَنْ يضمنُ حمايةَ الدستور والميثاق الوطني وصيغة المشاركة المتوازنة بين المسيحيين والمسلمين في الحكم والإدارة غيرُ رئيس الجمهورية؟ مَنْ يطالب بمصالحِ الشعب وبانتظاراتِ الشبيبة غيرُ الرئيس؟ مَنْ يشفق على المواطنين الذين يفتقرون ويجوعون ويهاجرون غيرُ الرئيس؟ مَن غيرُه يفكّر بتطلّعات شبابنا وأجيالنا الطالعة وأحلامهم وطموحاتهم وفرص عملهم المشرّفة؟ ألرئيس هو أبو الوطن والأمّة بكلِّ معنى الكلمة. مَنْ غيرُه يطالبُ بسيادة الدولة وكرامتها ومصيرها؟ إنّنا نصلّي، بإيمانٍ كبير ورجاء ثابت، لكي يرسلَ لنا اللهُ اليومَ قبل الغد مثلَ هذا الرئيس.

ونتساءل : لماذا هذا الاستهتارُ بدورِ الرئيس؟ ولماذا التمادي منذ ثمانية أشهرٍ في الاستغناءِ عنه؟ ولماذا السعي إلى إقناعِ الذات والناس إقناعاً كاذباً بأنَّ البلادَ تسير وتسير حسناً من دون رئيس؟

7. نودّ أن نرفع معكم أخلص التهاني البنويّة بالميلاد المجيد والسنة الجديدة 2015 إلى قداسة البابا فرنسيس، ونشكره من صميم قلوبنا على الرسالة التي وجّهها إلى "مسيحيي الشرق الأوسط"، وأرادها تعبيرًا عن قربه منهم وتضامنًا معهم ومع المخطوفين في لبنان وسوريا والعراق، ومع سواهم من مختلف الاديان، في مختلف محنهم ومصاعبهم، مستمدًّا لهم عزاءَ المسيح. إنّه يدعونا ويدعوهم للصمود في الرجاء والوحدة والشركة، ولأَداء شهادة المحبة والسلام في بلداننا، مع انضمام آلامنا وآلامهم إلى صليب المسيح الفادي من أجل ثمار خير للكنيسة ولشعوب الشرق الأوسط. ويقول لنا ولهم : "أنتم قطيع صغير، بالمفهوم الإنجيلي، ولكنّكم حاملون مسؤولية كبيرة في الأرض التي وُلدت عليها المسيحية، ومنها انتشرت إلى العالم كلّه. أنتم خميرة وسط الجماعة الكبيرة. أنتم، مع الكنيسة الحاضرة بمؤسّساتها التربويّة والاستشفائيّة والاجتماعيّة، وبعملها الراعوي، ثروة كبيرة للمنطقة". ويعود قداسة البابا فرنسيس ليؤكّد ضرورة الحوار مع المسلمين وسواهم من الأديان الأخرى، الذين نعيش معهم، على أن يكون حوارًا منفتحًا على الحقيقة بروح المحبة. فالحوار خدمة للعدالة، وشرط ضروري للسلام المنشود. وفي الوقت عينه يحثّ البابا فرنسيس الجماعة الدوليّة على تعزيز السلام في الشرق الأوسط بالتفاوض والعمل الديبلوماسي، وعلى واجب إيقاف الحرب والعنف، وإعادة المطرودين والنازحين إلى بيوتهم، ومساعدتهم في حاجاتهم.

أيها الأخوة والأخوات الأحبّاء؛

8. نحن نؤمن أنَّ النورَ الإلهي يبدّدُ ظلامَ البشر، مثلما يبدّدُ النورُ المادّي ظلامَ الأرض. النورُ الإلهي يفعل ذلك بواسطة أناس مسؤولين استناروا بهذا النور، وأصبحوا معاوني الله في تبديد ظلمات الحياة العائلية والاجتماعية والوطنية. صلاتُنا اليوم امام طفل المغارة ودعاؤنا وتمنياتنا أن يستنيرَ كلُّ واحد منّا بنور المسيح، ويصبحَ نوراً في مكانه وزمانه. صلاتنا أن يُشعّ نور السلام في لبنان وسوريا والعراق والأراضي المقدّسة وفي كلّ بلدان الشرق الأوسط. بهذا الرجاء وتعبيرًا عن أخلص تهانينا وتمنّياتنا، نهتفُ : "وُلد المسيح ! هـلـلـويا !

(c) Eparchie Notre-Dame du Liban de Paris des Maronites - mis en ligne le 14 janvier 2013 - Mentions Légales